محمد جواد مغنية

694

عقليات إسلامية

بعيد علما مستقلا ، ولم يتعرض الإسلام للعقائد والأخلاق والعبادات فحسب . بل تعرض أيضا للتشريع والقضاء ، والكون وعلاقة الناس بعضهم ببعض . وكان من نتيجة تعرّض الإسلام للحياة الدنيوية أن آمن المسلمون بمبدأ عام ، وهو أن الدين مبدأ التشريع ، وحدا بهم هذا الإيمان أن يتخذوا من الدين أساسا لحياتهم الفكرية بشتى فروعها وشعبها ، وان يبحثوا عن إرادة اللّه وقصد الرسول في كل مسألة تعرض لهم ، سواء أكانت دينية أم دنيوية ، لأن الدين إذا كان مصدر الهداية فيجب أن يكون مصدرا من مصادر المعرفة أيضا . وقد رافقتهم هذه الظاهرة في جميع أدوارهم ، ولن ينسوها بعد أن اتصلوا بالفلسفة اليونانية والأمم المتحضرة . لم تكن الفلسفة معروفة في صدر الإسلام ، ولما عرفها المسلمون فيما بعد انحرفوا بها إلى الدين ، وأوضح مثال على ذلك علم الكلام والتوحيد ، فإنه فلسفي في صورته ديني في مادته . وليس من غرضنا الآن أن نترجم لكل إمام من أئمة آل البيت ونبيين - منزلته من العلوم ، وانما غرضنا الأول أن نقدم صورة لعلومهم على وجه العموم ، وخير مثال لذلك علم الإمام علي وحفيده جعفر الصادق . فقد ذاع علمهما وانتشر . وظهر أثره في المؤلفات والمدارس الإسلامية أكثر من علم غيرهما من الأئمة . على أنه إذا استطعنا أن نصوّر علم هذين العظيمين أمكننا أن ندرك من خلاله مدى علوم سائر الأئمة إلى أن تنتهي السلسلة إلى الرسول الأعظم ، كما قال الشيخ أبو زهرة في كتاب الإمام الصادق . كان الإمام علي بن أبي طالب عالما بأمور الدين والدنيا التي تعرض لها القرآن والسنة . ولم يخف عليه شيء يمتّ إلى الإسلام بسبب قريب أو بعيد ، بل روي عنه أنه قال : « لو ثنيت لي الوسادة لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم ،